الرئيسيةشبكة الرشيدس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رووني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
روني
العقيد
العقيد
avatar

عدد الرسائل : 73
العمر : 26
  :
تاريخ التسجيل : 23/02/2008

مُساهمةموضوع: رووني   27/2/2008, 7:59 pm

بحرب إشاعات فتحت معها الميناء، وأطلقت سفنها تحمل كل راغب في رحيل، فتكدّسوا فيها والنار تلفظ هولها عليهم من الجبل..ولفظتهم السفن على ساحل عكا.. كتلاً بشرية.. يئن بعضها من الجروح وبعضها من الجوع، وبعضها من الفزع.وامتلأ بيوت مدينته، مساجدها، أديرتها، ساحاتها بهم..وتحمّلت مدينته الصغيرة عبء تدبير طعام ومأوى لهذه الآلاف..وفي تلك الليلة رأى سعاد مع عشرات المتطوعات يستقبلن الجرحى في الميناء ويوزعنهم على المستشفيات والبيوت.. وبدأت حرب الإشاعات تلعب لعبها في الأعصاب...استيقظ في صباح اليوم التالي على قرع شديد على باب غرفته، وفتح الباب وذهل إذ رآها..كانت تبكي..قالت له أن أخاها قد دبّر شاحنة حشد فيها كل ما يُحمل ثم وضع فيها زوجته وأطفاله ونفسه ليرحلوا للبنان... وأن عشرين أسرة من حيّها قد فعلت مثله...وقد فرض عليها أن تصحبهم فرفضت، وقاومت فضربها، فلم تجد أمامها إلاّ الفرار.إنها آخر من يسافر...وأذهلته المفاجأة .. لم يدر ما يقول لها وظلّ صامتاً، ولما قرعت صدره بقبضتها سأل: - هل فعلت هذا بسببي؟وانفجرت في وجهه:- لا ليس بسببك.. صحيح أنني أحبك... ولكنك لست كل شي؟قالتها وانصرفت..وفتح الباب وخرج إلى المدينة..عشرات السيارات كبيرة وصغيرة، محمّلة وفارغة، أطلقت دواليبها للريح.. وخلّته مذهولاً.. لا يدري هل يبكي، هل يصيح، هل يقذف هذه السيارات بحجارته؟..وفي أسبوع فرغت المدينة إلاّ من شاكي السلاح.. ومن بضع ممرضات موزّعات على المستشفيات الصغيرة، ومن النازحين إليها من حيفا أو القرى، ولم يعد يجد وقتاً للقاءاته بسعاد.. فأعداؤه في الشمال وفي الجنوب يتربصون الفرص ليطبقوا على المدينة.. كان في النهار يتسلل إلى القرى يجمع البنادق والذخيرة، أما لياليه فللحراسة مع خمسة غيره يقبعون وراء المتاريس المقامة على ظهر مصنع للسجائر تعطّل فيه العمل، كان لا بدّ للمدينة من الصمود حتى تبدأ معركة أخرى على مستوى جيوش بعد انتهاء فترة الانتداب..هذه هي مهمته التي رسمتها اللجنة القومية للمدينة.. وحين كان يجد وقتاً يسترخي فيه، كان يجد وقتاً ليفكّر بسعاد وليتساءل كيف تراها تعيش. وتحت أي ظروف. وصعق مرة حين رآها أمامه...كانت تلتف بمعطف وقد حملت صرّة كبيرة..وحار كيف يتلقاها ولكنها هوّلت عليه الأمر حين فتحت الصرّة وقالت موجهة حديثها لكل الرفاق:- لقد خشيت اللجنة أن تفرغ مؤونتكم فتطوّعت لحمل هذه الأشياء...وفتحت الصرّة على خبز وسجائر وحلوى، وفتحت عينيها على نظرة استقطبت كل شوق العالم. أثارت انفعاله لدرجة ودّ معها لو يضمها أمام رفاقه جميعاً..ولقد رأى من حقه وحده أن يمشي معها قليلاً وهي عائدة، وأن يمسك بأطراف أصابعها بيد مرتعشة، ثم يرفعها إلى فمه دون أن يجد ما يقوله غير أن يتوسّل إليها ألاّ تعاود مثل هذا الجنون، ثم ابتعدت ووقف يرقبها حتى ابتلعها أحد المنعطفات.وتكرّرت زياراتها.. لم تكن تلبث أكثر من دقائق ولكنها كانت كافية لتشحن أحاسيسه وانفعالاته بشكل يتعبه ويسعده معاً...وإلى أن كان الأسبوع..واشتدت المعركة وجأرت النار طيلة ليلتين ونهار كامل وقسم من النهار الثاني...كانت سيارات الأعداء المصفّحة تتجه على الطريق العمومي إلى نهاريا.. وكان عليهم أن يقطعوا عليها الطريق بالمدافع المبثوثة على الدور القريبة من الطريق...ولم تهدأ المعركة إلاّ في الثالثة من عصر اليوم التالي، فانقضّوا على المتاريس، واستلقى بعضهم على الأرض، ونزل هو يغتسل من حنفية الحديقة تمهيداً لزيارة للمدينة يستفهم فيها عن خطة الحرس القومي في سحب السيارات المصابة إلى داخل المدينة...وكان الصابون يغمر وجهه حين انبعث صوت رصاصة فثانية، فسارع يزيل الصابون عن عينيه حين ثقب أذنيه صوتها..والتفت إلى باب الحديقة فرآها تمرق منه.. وصرّتها بيدها، أما الأخرى فكانت على صدرها.. لم يصدّق أن بها شيئاً وقد كانت واقفة على قدميها، ولكنها ما لبثت أن ارتمت عليه، وبدأ الدم يندلق من صدرها، فسد جرحها بيده، ونادى على رفاقه الذين سارعوا بالقاء ستراتهم لتمتص دمها المسكوب.وفتحت فمها لتقول شيئاً، ولكن الحشرجة خنقت كلماتها.ثم انتهى كل شيء بشهقة!...حدث هذا بسرعة لم يصدّقها.. دقائق وضعت حدّاً لكل شيء، فكيف، كيل لم يجمّد الزمن.. كيف تركها تموت؟ كيف لم تنتفض تحت قبلاته، نداءاته الملتاعة.. كيف لم ترتعش تلك الجفون وهي تشرب كلمات حبّه الأولى..ماتت... كيف ورائحة شعهرا في أنفه ما تزال.. وحرارة يدها تأكل كفّه، وطعم شفتيها الرطبتين على شفتيه. لم يكن في نظرتها موت، في عينيها اللتين تتحدّيان أي شيء..فيهما حب ووعد بالحياة...ويفرك عينيه، يطرد الكابوس ويشدّ على الغليون الذي قدّمه له إبراهيم فلا تنغرز أظافره في راحته وهو يقرأ في عيون رفاقه..أجل ماتت، وانتزعناها منك، ودفنّاها على الرابية هناك، وزرعنا على قبرها علماً، وكرّسناها بطلة..كانت تحبّك فباتت رمزنا جميعاً.. إبراهيم، ووديع وصالح، وأحمد وعبدالله....خطّ أصفر نحيل وبضع نجيمات .. ولا شيء إلاّ العتمة وأطراف السجائر المتوهّجة، وهم أمام المتاريس بلا نوم أو طعام أو شراب...وانقضت الليلة هادئة إلاّ من مناوشات في الفجر، ثم سكت كل شيء، واستسلمت الرؤوس المتعبة إلى يوم نوم يفسد الجوع وتوقع الخطر...ومع الفجر فرك عبد الله عينيه وسأل وهو يتطلّع في الصناديق الخشبية المركونة جانباً:- أما من شيء نأكله؟...وردّ وديع:- أجل هناك جوعنا..وسكت...وهناك أرغفة سعاد.. لماذا لا يقولونها، وكانت ملوّثة بدمها، فأي أدام تعس لخبزهم؟..لقد بدأوا يجوعون بشكل لا يطاق، وباتوا عاجزين حتى عن الوقوف..وكان رامز يشعر بأن الظروف تتكاثف لامتحانه بشكل مذل، وبأنه ما من واحد من رفاقه سيجرؤ على أن يفكر في الأرغفة إلاّ إذا عرضها هو...وغطّى عينيه بيديه، أهناك تعاسة بعد تعاسة اضطراره إلى أن يطعم دمها رفاقه؟..وتطلّع إلى أخوانه. كان عبد الله مستلقياً على بطانية، وكذلك صالح، وكان أحمد جالساً على كيس من الرمل وهو يضغط بطنه بيديه...إن واحدهم مستعد لأن يأكل جثة كلب، ولكن يداً منهم لم تمتد إلى الأرغفة المعمّدة بالدم.. لقد كان عليه أن تأتي البادرة منه.. ماذا يقول لرفاقه.. خذو فقد وهبتنا سعاد الخبز والأدام...وأطرق قليلاً، ثم تحامل على نفسه ووقف.. إذا كان هو يستفظع الفكرة فإن عليه أن يمضي إلى المدينة ليتدبّر لهم ما يأكلونه...وحاول أن يقف ولكنه كان ظاهر الخور.. وأدرك رفاقه ماذا يبغي من وراء ذهابه للمدينة، إن أية رصاصة ستصطاده كعصفور صغير، فالمنطقة الخلاء بين مركزهم والعمران كبيرة ومكشوفة، ومرور سيارات مصفّحة تحمي نفسها بإطلاق الرصاص في كل الإتجاهات متوقع في أية لحظة، فأمسك صالح به من كتفه واضطره إلى الجلوس...فجلس لتتوثّب في رأسه طيوف معركة بين جوعه وجوع رفاقه وبين الأرغفة الحمراء... كانت ما تزال مكوّمة في الزاوية، مصرورة كما حملتها سعاد.. إن التجربة شيء يجرح أعصابه ولكن شراء حياة خمسة، يجب ألاّ يخضع لإحساسه الرهيف...ولكن أي ثمن سيدفع .. أين الأعصاب التي تحتمل أن ترى يداً تمتد لتمزّق رغيفاً وأسناناً تدور لتلوك خبزها مغموساً بدمها.. وأغمض عينيه .. لا، هذا لن يكون ..ولو ماتوا جميعاً.. إنهم لا يفضلونها بشيء.. وماذا لو ماتوا..تموت وهي تحمل خبزهم، ويموتون لأنهم لن يمسّوا خبزاتها، فلا يشتري موتُها حياتهم. يرفضون خبزات الفداء.. وقد امتدّت إليهم ممتحنة إنسانيتهم.. أو إنسانيته هو على الأقل.. فما ذنب هؤلاء ليجوعوا..؟ ولكن ماذا لو جاعوا..؟ ليحسبوا ألاّ خبز هناك.. إنهم على كل حال لا يتطلّعون إليه. لقد عفّوا وأقنعوا أنفسهم بأن ينتظروا رزقاً غير هذا.. أو يموتوا.. ويموت معهم ثأرها..ثأرها؟ صحيح كيف ينسى ذلك...؟ كيف يختار أن يموت جوعاً ككلب ويميت معه خمسة؟ حقاً إن كثرة تعاملهم مع الموت قد سلبته تلك الصورة المستفظعة، ولكن مهما كان له الحق في اختيار الميتة التي يشاء، فلن يختار أن يموت جوعاً. سعاد نفسها ترفض ذلك لبطل...وارتعش بألم...لقد اكتشف أنه في الليلة الأخيرة قد فكّر في جوعه أكثر مما فكّر في سعاد. لقد عطّلت غريزة الجوع كل أحاسيسه الأخرى. يا إلهي ما أفظع التجربة..ونادى إخوانه ففتحوا عيوناً تكاد من إعيائها لا تنفتح، سيدعوهم واحداً واحداً..إبراهيم ووديع وصالح وأحمد وعبد الله، وسيلتفّون حوله في حلقة .. ثم ينهض هو ويحضر الأرغفة.. وحين تمتد يده ليفكّ الصرة، سيحكي لهم قصة عتيقة تعرفها هذه الأرض. ..ويعيها ناسها... قصة افتداء الحياة بالجسد والدم..ثم يحمل خبزاتها وبكل الجو الشعائري الذي يقدّم به كاهن كنيسة شرقية خبز للمسيح سيقول لهم:كلوا هذا هو جسدي.. وهذا هو دمي فاشربوا... وسيأكل هو من الأكسير أيضاً.. وسيستقر في شيء من سعاد في أحشائه.. شيء منها..أجل كيف لم يفطن إلى ذلك قبلاً.. شيء ما يفتأ يتململ ويضج طالب ويذكره أن عليه أن يفعل شيئاً لهذا الجسد الثانوي في طرف الحديقة..وقام متحاملاً على نفسه إلى الزاوية تتبعه عشر عيون شعر بنظراتها توثق رجليه.. فتناول الصرّة بيد ترتجف.. وفتحها وأدنى الأرغفة من شفتيه ثم اقترب من رفاقه وقدّمها راكعاً وقال: كلوا.. إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعاً..وغامت الدنيا في عينيه، ووقع على الأرض فاقد الشعور!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأسد
الزعيم
الزعيم
avatar

عدد الرسائل : 221
  :
تاريخ التسجيل : 14/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: رووني   29/2/2008, 4:07 pm

شكرا على الموضوع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رووني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: اداب وثقافة :: منتدى الكتب والروايات-
انتقل الى: